محمد بن عبد المنعم الحميري ( ابن عبد المنعم )

163

الروض المعطار في خبر الأقطار

جوفي وحواليها بسائط عريضة للزرع والضرع ، وحولها عدة من القبائل من البربر مطغرة وبني يفرن وغيرهم ، وبينها وبين البحر ستة أميال . ولعل أحمد بن عبد السّلام الجراوي « 1 » شاعر بني عبد المؤمن من هذه المدينة إذ كان يدعى الجراوي ، ويقال إنه مدح في صباه عبد المؤمن ثم مدح ابنه يوسف وابنه يعقوب المنصور ومحمدا الناصر ابن المنصور ، وتوفي في عام العقاب سنة تسع وستمائة ، وكان حافظا وصنف للمنصور يعقوب مجموعا من أشعار الناس رتبه على أبواب « الحماسة » وكان غيورا على الشعر حسودا للشعراء ناقدا عليهم غير مسلم لأخد منهم . الجزائر « 2 » : من أشير إلى جزائر بني مزغنا ، وبين مدينة شرشال والجزائر سبعون ميلا ، والجزائر مدينة جليلة قديمة البناء فيها آثار للأوّل ، ومتيجة « 3 » قريبة منها ، وتدل الآثار العجيبة التي بالجزائر على أنها كانت دار مملكة لسالف الأمم ، وصحن دار الملعب فيها قد فرش بحجارة ملونة صغار مثل الفسيفساء وفيها صور الحيوان بأحكم عمل وأبدع صناعة لم يغيرها تقادم الأزمان ولا تعاقب القرون ، ولها أسواق ومسجد جامع ، وكانت بها كنيسة عظيمة بقي منها جدار هو اليوم قبلة شريعة العيدين مفصص كثير النقوش والصور ، ومرساها مأمون به عين عذبة يقصدها أصحاب السفن من إفريقية والأندلس وغيرهما . والجزائر « 4 » على ضفة البحر ، وشرب أهلها من عيون على البحر عذبة ومن آبار ، وهي عامرة آهلة وأسواقها قائمة ، وفي جبالها قبائل البربر وزراعاتهم الحنطة والشعير ، وأكثر أموالهم المواشي البقر والغنم ، ويتخذون النحل كثيرا والعسل والسمن في بلدهم كثير ولذلك يتجهز به منها إلى الأقطار المجاورة لها والمتباعدة عنها ، وأهلها قبائل ولهم حزم وفيهم منعة « 5 » . ويتصل بجزائر بني مزغنا فحص متيجة ، وهو فحص عظيم كثير الخصب والقرى والعمائر تشقّه الأنهار ، وهو نحو مرحلتين في مثلها وقد أحدقت به جبال مثل الإكليل . جزيرة العرب : في الحديث : « لعن اللّه اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ، لا يبقينّ دينان في جزيرة العرب » . قيل جزيرة العرب مكة والمدينة واليمامة واليمن ، والعرج أول تهامة ، وقيل جزيرة العرب ما بين حفر أبي موسى إلى أقصى اليمن في الطول ، وأما العرض فما بين رمل يبرين إلى منقطع السّماوة ، وحفر أبي موسى على خمس مراحل من البصرة . وقال الأصمعي « 6 » : جزيرة العرب من أقصى عدن أبين إلى ريف العراق في الطول ، وأما العرض فمن جدّة وما والاها من ساحل البحر إلى أطرار الشام . قالوا : وكانت أرض العرب خاوية ليس في تهائمها ونجدها وحجازها كثير أحد لإخراب بختنصر إياها وإخلائها من أهلها إلا من اعتصم برءوس الجبال والشعاب . وبلاد العرب هي التي صارت في قسم من أنطق اللّه عزّ وجلّ باللسان العربي حين تبلبلت الألسن ببابل في زمن نمرود ، وإنما سمتها العرب جزيرة « 7 » لإحاطة البحار والأنهار بها من أقطارها وصاروا منها في مثل الجزيرة ، لأن الفرات أقبل من بلاد الروم فظهر بناحية قنسرين ثم انحطّ عن الجزيرة وهي ما بين الفرات ودجلة وعن سواد العراق حتى وقع في البحر من ناحية البصرة والأبلّة ، وامتدّ البحر من ذلك الموضع مغربا مطيفا ببلاد العرب منعطفا عليها فأتى منها على سفوان وكاظمة ، ونفذ إلى القطيف وهجر وأسياف عمان والشحر ، وسال منه عنق إلى حضرموت وناحية أبين وعدن ودهلك ، واستطال ذلك العنق فطعن في تهائم اليمن ببلاد حكم والأشعريين وعك ومضى إلى جدّة ساحل مكّة ، وإلى الجار ساحل المدينة وإلى ساحل تيماء حتى بلغ إلى قلزم بمصر وخالط بلادها ، وأقبل النيل في غربي هذا من أعلى بلاد السودان مستطيلا معارضا البحر حتى وقع في بحر مصر والشام ، وأقبل ذلك البحر من مصر حتى بلغ بلاد فلسطين فمرّ بعسقلان وسواحلها وأتى على صور ساحل الأردن وعلى بيروت وغيرها من سواحل دمشق ، ثم نفذ إلى ساحل حمص وسواحل قنّسرين ثم يجيء حتى يخالط الأرض التي أقبل منها الفرات منحطّا عن أطراف قنسرين والجزيرة إلى سواد العراق .

--> ( 1 ) تقدم ذكره في مادة « تادلى » ، والأغلب أنه منسوب إلى كورايا أو جراوة أو كراوة ( بالكاف والجيم المعقودة ) وهي قبيلة كانت تقطن ضواحي فاس . ( 2 ) البكري : 66 . والاستبصار : 132 . ( 3 ) ص ع : وسبخة ؛ ومتيجة فحص سيتحدث عنه المؤلف في هذه المادة نفسها . ( 4 ) الإدريسي ( د / ب ) : 89 / 62 . ( 5 ) الإدريسي : ولهم حرمة مانعة . ( 6 ) معجم ما استعجم 1 : 6 ، والبكري ( مخ ) : 2 ، وصبح الأعشى 4 : 294 . ( 7 ) متابع للبكري وصفة جزيرة العرب : 47 وانظر ياقوت : ( جزيرة العرب ) .